صبحي الصالح
18
مباحث في علوم القرآن
على أن الذي غلب استعماله من بين هاتين التسميتين هو لفظ القرآن بالمدلول المصدري ، حتى بات علما شخصيّا لهذا الكتاب الكريم . فكان جديرا بنا - قبل أن نخوض في ظاهرة الوحي وتقصي هذه المباحث القرآنية - أن نبادر إلى معرفة الأصل الاشتقاقي للفظ القرآن الذي يحكي ألفاظا أخر تماثله في اللغات السامية ، وإلى الوقوف على المدلولات اللغوية لأهم الأسماء الأخرى التي اختيرت للقرآن وأطلقت عليه ، سواء تشابهت أم لم تتشابه بين الساميات والعربيّة . لقد ذهب العلماء في لفظ « القرآن » مذاهب ، فهو عند بعضهم مهموز وعند بعضهم الآخر غير مهموز . فممّن رأى أنّه بغير همز الشافعي والفراء « 1 » والأشعري « 2 » . آ ) يقول الشافعي : إن لفظ القرآن المعرّف بأن ليس مشتقا ولا مهموزا ، بل ارتجل ووضع علما على الكلام المنزل على النبي صلى اللّه عليه وسلم . فالقرآن عند الشافعي « لم يؤخذ من قرأت ، ولو أخذ من قرأت لكان كل ما قرئ قرانا ، ولكنه اسم للقرآن ، مثل التوراة والإنجيل » « 3 » . ب ) ويقول الفراء : إنّه مشتق من القرائن ، جمع قرينة ، لأن آياته يشبه بعضها بعضا فكأن بعضها قرينة على بعض ، وواضح أن النون في « قرائن » أصلية « 4 » . ج ) ويقول الأشعري وأقوام يتابعونه على رأيه : إنّه مشتق من « قرن الشيء بالشيء » إذا ضمه إليه ، لأن السور والآيات تقرن فيه ويضم بعضها
--> ( 1 ) الفراء هو أحد نحاة الكوفة وأئمتها المشهورين في اللغة ، واسمه يحيى بن زياد الديلمي ، ويكنى أبا زكريا ، له كتاب في معاني القرآن ، توفي سنة 207 ( انظر طبقات الزبيدي 143 إلى 146 ووفيات الأعيان 2 / 228 ) . ( 2 ) هو الإمام أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري الذي تنسب إليه الطائفة الأشعرية . وكتبه مشهورة في الرد على المبتدعة من الجهمية والخوارج والرافضة ، توفي سنة 324 ( انظر وفيات الأعيان 1 / 326 ) . ( 3 ) تاريخ بغداد للخطيب 2 / 62 . ( 4 ) الإتقان 1 / 87 .